علم الثقافات ودراسة خصائص الشعوب

 

"تقاسم المعارف" من أهم الكتب التي تناولت "الخطاب التاريخي والخطاب السياسي" في دراسة شمولية صدرت في كتاب للكاتبة الفرنسية ميشال دوشيه وترجمه إلى العربية حسين جواد قبيسي،alt

وصدر عن "المنظمة العربية للترجمة" التي قدمت لنا مئات الكتب المميزة التي صدرت في الغرب. ويجيب هذا الكتاب حسب المترجم عن السؤال المطروح بأن علماً جديداً تبلور من القرن الثامن عشر هو "النياسة" أي (الاثنولوجيا) التي هي امتداد لعلم الاناسة (الانثروبولوجيا) فاستطاع أن يتميز بمناهج بحث وقواعد وأصول خاصة به، ومع انقسام الباحثين في هذا الميدان في شأن فلسفة هذا العلم، بين قلائل بلا تاريخية الشعوب القديمة وبين رافض لهذا الرأي.
"النياسة" علم جديد إذاً، لا من حيث تاريخ وجوده، فتاريخه طويل يعود إلى زمن اكتشاف مجتمعات (قديمة) في العالم (الجديد) أميركا والقديم افريقيا -، بل جديد لأن تدريسه اقترن في الوطن العربي بنفور المثقفين منه وبالنظر إلى وصفه علماً "استعمارياً". ولأن الباحثين العرب ردّوه إلى اشكال أخرى من المعارف التي عرفها العرب سابقاً كعلم الأنساب والأعراق وعلم القيافة والفراسة وغيرها. على ان تلك النظرة لم تكن صواباً كلها ولا خطأ كلها. إذ لم يكن اكتشاف اميركا اكتشافاً جغرافياً لقارة مجهولة فحسب، بل لم يكن اكتشافاً بشرياً لشعوب جديدة كانت هي الأخرى لدى الأوروبيين. وكان من نتائج هذين الاكتشافين تقدم علم الجغرافيا في اتجاه اكتمال دراسة الأرض ومعرفتها ونشوء علم جديد اختص بدراسة الشعوب (الجديدة). لكن هذا العلم، لم يصبح علماً إلا بعد مروره بمراحل كثيرة نقلته من مجرد تسجيل الملاحظات والانطباعات والآراء الشخصية التي كان يدوّنها الرحالة الاوروبيون في مستهل تعرفهم على "العالم الجديد" إلى علم بأصول وقواعد لم تتبلور مع الزمن إلا بعد لأي، على يد باحثين كان من أبرزهم هنري مورغان. فدراسة تلك الشعوب كانت وما زالت تتنازعها غايتان. فالغاية العلمية الهادفة إلى المعرفة المحض، والتي تتطلب دأباً طويلاً في الدراسة، كانت ترافقها غابة سياسية ملحة ومستعجلة لدى الدول الأوروبية المعنية بالعالم الجديد، هي معرفة شعوب ذلك العالم والعثور على ما يبرر اخضاعها والسيطرة عليها.
والحق، ان الإهمال الذي قوبل به "علم النياسة" في الوطن العربي، لا يتناسب مع اهتمام العلوم العربية بميادين معرفة شبيهة به جعلت من معرفة الأعراق علماً قائماً بذاته وألحقت بها فروعاً معرفية أخرى كعلم الأنساب والفراسة وما إليهما، كما اضيف إلى هذا العلم الجديد "الاثنولوجيا" الذي يدرس الانسان لا بوصفه فرداً مستقلاً بذاته، بل بوصفه عضواً في جماعة بشرية لا قيمة له خارجها، إلى علم سابق عليه "الانثربولوجيا" ليصبح جزءاً منه. كذلك يصح القول بأن دراسة الانسان منفرداً هي موضوع علم الاناسة ودراسته مجتمعاً (في جماعة تعريف ethnie هو جماعة من البشر ذات لغة وثقافة تميزانها) موضوع علم النياسة لتكون الانثربولوجيا اناسة والانثولوجيا نياسة. على أن النياسيين العرب قدموا نياسة وصفية حتى من قبل ظهور النياسة التوصيفية فرعاً حديثاً تابعاً للنياسة، وكتب الرحالة والمستكشفين العرب الكثيرة في هذا الميدان اطلع عليها الأوروبيون منذ العصور الوسطى وترجموها إلى لغاتهم. وهي لا تختلف في مضامينها وأساليبها ومناهج كتابتها عما كتبه الرحالة والمستكشفون الأوروبيون بعد ذلك. بيد ان علم الأعراق يختلف عن علم الاناسة بقربه الشديد من العلوم البيولوجية وحتى الجيولوجية، في حين ان النياسة هي اكثر قرباً من العلوم الاجتماعية (السوسيولوجية) إذ لا ينطوي علم الأعراف بالضرورة على دراسة وجوه الحياة الاجتماعية لدى عرق معين بل يقتصر على دراسة خصائصه البيولوجية ومزايا تكوينه الفيزيائية. أما النياسة فهي علم الثقافات يعنى بدراسة خصائص الشعوب والجماعات وأحوالها الثقافية كمعتقداتها الدينية وعاداتها واعرافها وما إلى ذلك ومعرفة التغيرات الثقافية الطارئة مع تغير الأجيال.
ويمكن اختصار الفصول الثمانية بـ: ان تقاسم المعارف والعلوم بشكل عام، أكثر حداثة مما يظن من حضور التاريخ في كل مكان بمناهجه وأصول أبحاثه التي تلاءمت مع المزيد من المواد: اللاتاريخ جزء من التاريخ وخطاباته المتعددة (التاريخ الشامل تاريخ الإنسانية تاريخ الأصول والجذور..)، ما دام الهدف حماية وحدة الجنس البشري وماهية اشكال الصيرورة. هو ذا هدف النصوص التي كتبها مورغان وغيره. يذهب التاريخ (الأخلاق)، بوصفه ضاحية من ضواحي التاريخ، في منظوره إلى آخر خلاصاته، مستكشفاً في نفسه سبل خطاب آخر. لم تمارس النياسة في بداياتها الاولى منهج المقارنة الا تحت مظلة التاريخ الذي تستعين بسلطانه والتي تستشهد بنصوصه الاولى لاحقاً، هيمن تاريخ الجنس البشري الذي بز سائر فروع التاريخ الأخرى، على علم المجتمعات، من أكثرها توحشاً إلى اكثر مدنية، التقدم هو ثمرة ثقافة تحول ما كان مادة خام جامدة إلى استخدامات شتى، في هذه الفلسفة، لا تكون الكتابة سوى مرحلة مؤقتة وعابرة لا دليلاً على النقص والدونية بطبيعة الحال، الكتابة هي بمثابة حدود فاصلة بين عالمين، إلا ان امكان تكوين علم شامل ينشأ من توسيع الخطاب التاريخي ليشمل المجتمعات جميعاً، أياً كانت درجة مدنيتها.

 

ياسين رفاعية

المستقبل

[ الكتاب: تقاسم المعارف
[الكاتب: ميشال دوشيه
[ المترجم: حسين جواد قبيسي
[ الناشر: المنظمة العربية للترجمة/ مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت 2010

 

ملف الاعتقال السياسي

اليوم في صور

In order to view this page you need Flash Player 9+ support!

Get Adobe Flash player