انتصار الثورة المصرية: مهام ما بعد الاحتفال

خبئ قصائدك القديمة كلها واكتب لمصر اليوم شعراً مثلها

لا صمت بعد اليوم يفرض خوفه فاكتب سلاماً إلى مصر وأهلها

(من قصائد الثورة المصرية مجهولة المؤلف)alt حالفنا الحظ جميعاً، فعاصرنا اندلاع ثورة 25 يناير 2011 وانتصارها، وهي الثورة العربية الأكبر منذ نهاية عهد الخليفة الثالث عثمان بن عفان، فولت إلى غير رجعة مشاعر اليأس من قدرة العرب على الفعل والثورة والتغيير الإيجابي إلى الأفضل. فتحت ثورة مصر المنتصرة نوافذ الأمل أمام المصريين والعرب؛ فأصبح الحاضر بما هو ترجمة دقيقة للأمس والأيام الثمانية عشر الماضية المضرجة بالدم، مرحلة انتقالية يجب على الثورة أن تواصل فيها إنجاز مهامها التاريخية وصولاً إلى مستقبل يليق بمصر وشعبها العظيم.

ولأن المستقبل هو حصيلة إنجازات اليوم والأيام القادمة، لابد من مواصلة الطريق لاستكمال الأهداف وتحويل شعار الثورة الأشهر: «الشعب يريد إسقاط النظام» من حيز المطلب الثوري والمتخيل الرمزي إلى حقيقة واقعة ومتحققة بالفعل. قد تؤدي الإطالة في الاحتفالات بالانتصار- وهو أمر مطلوب ومشروع ومفهوم- إلى التوقف عند ما تم وهو عظيم وكبير بكل المقاييس التاريخية والواقعية والفلسفية، وبالتالي الدخول في التفاصيل المتعلقة بترتيبات الوضع الجديد بعد إسقاط الدكتاتور الفاسد، لينحصر التغيير برأس النظام وبعض رموزه دون النظام. في هذه الحالة سيقتصر توصيف ما حدث إلى «انتفاضة منتصرة» على دكتاتورية حسني مبارك، وليس إلى ثورة تفترض- ابتداءً- تغييراً في شكل السلطة وإسقاطاً لنظام سابق وإحلالا لنظام جديد على أنقاضه.

انطبقت كلمة ثورة بالمعنى السياسي- حتى الآن- على ما حدث في مصر، فالكتلة الفاعلة في الثورة تجاوزت الملايين، كما أن حجمها الأفقي اتسع ليشمل مختلف المدن المصرية في الشمال والجنوب والشرق والغرب، مثلما أن بناءها الرأسي ضم الشرائح الاجتماعية المصرية المختلفة، وليس آخراً أن مطالبها كانت سياسية بامتياز متجاوزة بكثير انتفاضات الخبز والمطالب الفئوية على مشروعيتها ونبلها. خرجت الجماهير ملبية نداء الثورة وتبلورت مطالبها تحت شعار أساس هو «إسقاط النظام»، وهو المطلب الذي تحركت تحته الملايين من المصريين الأبطال ودافعت عنه ودفعت ثمنه دماً وعرقاً ودموعاً.

يتكون «النظام»- أي نظام- من مكون اقتصادي-اجتماعي يعتبر جوهر ولب النظام وأساسه المادي، بحيث ينبني فوقه ثلاثة أعمدة: نظام سياسي، ونظام ثقافي، ونظام قانوني أي البنية التشريعية والحقوقية. تعكس الأعمدة الثلاثة مصالح هذا المكون الاقتصادي-الاجتماعي الذي يشكل ملامح نظامه السياسي بما يخدم مصالحه، ونظامه الثقافي الذي يبلور خطابه الثقافي المعبر عن ميول هذا المكون ورغباته، وليس انتهاءً بنظام تشريعي وحقوقي يؤمن مصالح المكون الاقتصادي-الاجتماعي السائد رافعاً إياها إلى مقام الثبوت التشريعي والحصانة الحقوقية.

وإذ يعكس إسقاط الدكتاتور ونائبه انتصاراً تاريخياً للمصريين على رمز الفساد والاستبداد، فإن تحقيق شعار إسقاط النظام يتطلب تغيير المكون الاقتصادي-الاجتماعي للنظام السابق، باعتبار ذلك خطوة مفتاحية لا يستقيم الحديث باستعمال مفردات الثورة من دونها، ومن بعد هذه المهمة الانطلاقية يتم تغيير الأعمدة الثلاثة أو النظم الثلاثة التي تنبني على هذا المكون.

تمثل المكون الاقتصادي-الاجتماعي في عصر مبارك، الممتد لثلاثين عاما حالكة السواد في تاريخ مصر، في عائلة حاكمة تمسك بيدها مقاليد الأمور بالاعتماد على شريحة ضيقة لا تتجاوز العشرين من «الكومبرادور»- شريحة من رجال الأعمال المرتبطين بالخارج والمعتمدين عليه في مراكمة أرباحهم المتأتية من غير طريق العمليات الإنتاجية- وشريحة من كبار موظفي الدولة لا تتجاوز المئات سهلت عمليات النصب الرسمي والمغطى قانوناً عبر تحويل الملكية العامة إلى ملكيات خاصة لأعضاء النادي الحاكم، وفيما أطلق عليه «عملية الخصخصة».

لم يعرف عموم المصريين على وجه القطع أسماء الشركات والمصانع والأراضي التي تمت خصخصتها، ولا أسماء المشترين ولا شروط البيع، ناهيك عن الأثمان التي دفعت لقاء ذلك والأهم المصارف التي أنفقت فيها هذه العوائد، أما وزارة الداخلية التي بلغ عدد منسوبيها في عهد مبارك مليوناً وسبعمئة ألف فرد بين ضابط وجندي ومخبر وموظف، فقد تمثلت مهمتها الأساسية في حماية المكون الاقتصادي-الاجتماعي السائد أمام المصريين، فضلاً عن حماية التوريث المحتمل للسلطة من الدكتاتور لابنه. لم ينتج المكون الاقتصادي-الاجتماعي السائد في عصر مبارك إلا نظاماً ثقافياً رقيعاً يشبه نظامه، فتحولت القوة الناعمة المصرية التي ميزت مصر طيلة تاريخها الحديث إلى خطاب مشوه انحدر بمركز مصر الثقافي إلى دون الحضيض، في حين كان المبدعون الحقيقيون خارج إطار المؤسسة الثقافية الرسمية.

أما البنية التشريعية في عهد مبارك فكانت مسخرة من المساخر، فلم يحكم مبارك مصر يوماً واحداً دون قانون الطوارئ، ولم تنج أي انتخابات برلمانية في عهده من الطعون بالتزوير والتي أقرتها المحاكم فقضت ببطلانها، ولم يكتف مبارك بالبرلمانات المزورة فاقدة التمثيل الشرعي والشعبي، وإنما أطلق «ترزية القوانين» في مواد الدستور، ليعدلها على قياسه وبشكل أعطاه كفرد أكثر من ثلثي السلطة في النظام السياسي بأكمله. وزاد مبارك على ذلك لاحقاً فعدل مواد الدستور وبالأخص المواد (76) و(77) و(88) لتكون على قيافة نجله جمال ليصبح لاحقاً رئيساً للجمهورية بالتوريث، وسط تصفيق أعضاء البرلمانات المزورة، ودعم «الكومبرادور» وهدير الآلة الإعلامية الضخمة ورقاعة جهازه الثقافي المترهل وتحت حماية هراوات وزارة الداخلية وأسلحتها.

استغرب الكثيرون مواقف مبارك في السياسة الخارجية، إذ أعطى لإسرائيل أكثر بكثير مما هو منصوص عليه في اتفاقيات «كامب ديفيد»، فزودها بالغاز الرخيص، وزودها بحديد التسليح والإسمنت، وسمح لطائراتها بالدخول إلى المجال الجوي المصري مرات عدة لتضرب أهدافا في قطاع غزة، الذي حاصره مبارك بكل ما أوتي من شراسة وتفان. وفتح مبارك أبواب مصر لتتحول من محايدة بحكم اتفاقيات «كامب ديفيد» لتصبح عمقاً إستراتيجياً لإسرائيل ينسق معه ويغطي على جرائمه، وتراجعت الأدوار المصرية في الإقليم لتنحدر المكانة المصرية إلى ما تحت الأرض، ففقدت مصر الحد الأدنى من التأثير في محيطها الحيوي الأقرب، السودان وغزة.

والحال أن هذه السياسة لم تعكس اقتناعاً بصوابيتها، إنما مصالح المكون الاقتصادي-الاجتماعي السائد في عهده والذي حتم التراجع في نفوذ مصر الإقليمي والتسليم لإسرائيل بكل ما تطلب، حفاظاً على روابطه (المكون الاقتصادي- الاجتماعي) الخارجية بحيث غدا لسان حاله يقول: لا صوت يعلو فوق صوت الخصخصة! أينما قلب المتفحص في مساخر النظام البائد نظره سيجد المكون الاقتصادي-الاجتماعي-»الكومبرادوري» ظاهراً وحاكماً، مهما تنوعت المساخر في عصر مبارك وتوزعت على المجالات المختلفة. لا يعني ذلك بأي حال العودة إلى سياسات التأميم، أو مقاطعة الأسواق الدولية أو حتى معاداة رجال الأعمال، إنما إزاحة الطفيليين منهم عن سدة القرار عبر ضرب المكون الاقتصادي-الاجتماعي السائد وإزاحته كشرط أساسي لإسقاط النظام، وهو مطلب الثورة ومصدر شرعيتها الأول، وصولاً في النهاية إلى إحلال مكون اقتصادي-اجتماعي جديد يرفع قيمة الإنتاج فوق غريزة الاستهلاك، وهو ما يجعل النظام السياسي الجديد أكثر تمثيلاً للمصالح الوطنية، والنظام الثقافي المرتجى عاكساً لقيم النهوض والاستنارة، والنظام التشريعي المأمول موئلاً لقيم الديمقراطية والتعددية وحقوق الإنسان.

تدخلت القوات المسلحة الباسلة في لحظة هي الأكثر حرجاً في تاريخ الثورة يوم جمعة الانتصار، حيث لم يكن أمامها إلا خيارات ثلاثة بعد تحرك المظاهرات من «ميدان التحرير» إلى القصر الرئاسي: الأول أن تدع المتظاهرين يدخلون إلى القصر الرئاسي فتحيّد نفسها، والثاني أن تمنع المتظاهرين من الدخول بالقوة فتسيل الدماء أنهاراً وتنتقل بالتالي إلى خصم للثورة وأداة بيد الدكتاتور، والاحتمال الأخير أن تفعل ما فعلته فتجبر الدكتاتور على التنحي مثبتة بذلك انتصار الثورة بضمانتها وتحت إشرافها. لعب الجيش المصري أكثر الأدوار أهمية في تاريخ مصر الممتد آلافا كثيرة من السنين، بداية من عصر الملك مينا موحد مصر حتى يوم رحيل حسني مبارك هارباً، واليوم وغداً ينتظر المصريون أن تستكمل القوات المسلحة خطواتها الرائعة والتي تمثل أهمها حتى الآن في حل مجلسي الشعب والشورى المزورين.

قائمة المطالب الواجب استكمالها تشمل رفع حالة الطوارئ وإطلاق حرية تكوين الأحزاب والنقابات، فضلاً عن محاكمة رموز النظام السابق- ليس للتشفي فهذا ترف لا تملكه الثورات الناضجة- إنما لتحقيق هدفين أساسيين: ضرب المكون الاقتصادي-الاجتماعي لنظام مبارك، واسترداد أموال المصريين المنهوبة. وتبرز أهمية تشكيل حكومة انتقالية من التكنوقراط تدير البلاد بصفة مؤقتة لحين تنظيم انتخابات برلمانية حرة بإشراف القضاء وتحت رقابة دولية بما يسمح ببرلمان ذي صفة تمثيلية حقيقية. ومن ثم توفير البنية التشريعية التعددية بما لا يسمح باستئثار منصب رئيس الجمهورية بأغلبية الصلاحيات الممنوحة للنظام السياسي، وتنظيم انتخابات رئاسية حرة. ستتطلب كل مهمة من هذه المهام الأساسية جهداً وعرقاً وصلابة ترقى إلى مستوى التحدي المفروض أمام الثورة المصرية، ذات المشروعية الأخلاقية والصفة التمثيلية لعموم المصريين؛ وبشكل يثبت انتصارها أمام أعداء الداخل ويرسخ صمودها أمام تحديات الخارج.

مصطفى اللباد

الجريدة

 

ملف الاعتقال السياسي

اليوم في صور

In order to view this page you need Flash Player 9+ support!

Get Adobe Flash player