عن الحزب ...نشأته وأفكاره ،في حوار

س :نريد معرفة لمحة عن حزبكم وما هو المشروع السياسي الذي تقدمونه بديلا للسلطة الحاكمة في سورية؟

ج : , قبل أن أجيبك بشكل مباشر على سؤالك عن حزبنا اسمحي لي أن ألقي بعض الضوء على مراحل تأسيسه الأولى , هي ضرورية  من وجهة نظري لتوضيح موقفه الفكري ومشروعه السياسي .تعود بدايات تأسيس حزب الحداثة والديمقراطية إلى مجموعة طلاب من منابت دينية وثقافية وعرقية متعددة كانوا يدرسون في جامعتي دمشق وحلب , تعاطت هذه المجموعة الحوار بشكل ممنهج بدءا من عام 1996 حول الشأن السوري, وتعهد أفرادها منذ البداية بأن يرموا كل الأطر الجاهزة والمسبقة خلفهم وأن يتجاوزوا على التابوات وهي كثيرة كما تعلمين في الثقافة والسياسة السائدتين في سورية وفي المنطقة عموما .
لقد رأت هذه المجموعة أهمية أن يقود أفرادها انقلابا أول الأمر ليس على النظام السياسي وإنما على ذواتهم ليتخلصوا من  آثار البيئة الطائفية والذكورية والأبوية التي نشأوا عليها متسلحين بالحوار والمطالعة الكثيفة والنقد  وانتهاك اللامفكر فيه والمسكوت عنه , لقد كانت مرحلة صعبة بالفعل استوعبها أفراد المجموعة رغم ما حفلت به من تداعيات وانكسارات ن نفسية حادة  رافقت ولادة شخصياتهم الحرة  والعقلانية لكنهم عاشوا تجربة خصبة أصبحوا جاهزين  بعدها أكثر ليتفاعلوا فيما بينهم بكل انفتاح وزخم ,فكان تأسيس الحزب تاليا على ذلك في عام 2001 .
كان تشكل الإطار المعرفي للحزب على هذا المنوال إبان تأسيسه كافيا لكي يضع مهام التنوير والإصلاح الديني والتحديث على رأس أولوياته السياسية , وأن يعلن أن خطابه السياسي خطاب مفتوح وغير منجز وسيبقى كذلك وأنه يتحاشى الوقوع في كمائن  الايديولوجيا وانغلاقاتها , في اختبار دائم مع العملي واليومي  في دينامكية دائمة  وحركة متجددة .
الخطاب السياسي لحزب الحداثة و الديمقراطية يحدد السياسية في كونها تجسدا للثقافة وإسقاطا لها على  الاجتماعي ( علاقات وتفاعل وقوى ومواقف ), ويرى أن جوهر الأزمة التي تعيشها سورية وجذرها كامن في الثقافة حيث النظم المعرفية والتراكيب العقلية التي تميز الشخص الإنساني في سورية وهي المسئولة عن بلورتها .
لقد رصد الخطاب السياسي للحزب في  هذه الأزمة  هيئتها الدائرية ,  إذ أن المعرفي الثقافي ينتج ما هو سياسي والسياسي بدوره يؤكد ويعيد إنتاج المعرفي الثقافي , لتحكم هذه الدائرة الأزمة إغلاق العالم السوري على ذاته وتبقى ممكناته محددة بعلاقة التأكيد المتبادل بين شرطيها الثقافي المعرفي والسياسي والتي لا تفضي إلا إلى المراوحة في المكان والدوران على الذات والتأخر عن العصر .
لذلك فالحزب يمارس السياسة وفق مستويين , الأول في أكثر أبعادها تأسيسية , في كونها تعبيرا عمليا واجتماعيا عن الثقافة , وله أدواته التي أبدعها للعمل وفق هذا المستوى فيسهم باستخدامها في التأسيس لنظام معرفي جديد وثقافة جديدة يكون الإنسان مركزها وهدفها ومحددها الأهم , الإنسان الحر ذو العقل الحر.
والثاني حيث يمارسها بالمعنى المباشر للكلمة ,  ﻓﻴﻌﺎﺭﺽ ﺍﻟﻨﻈﺎﻡ ﺍﻟﺴﻴﺎﺳﻲ ﺍﻟﻤﺴﺘﺒﺪ ﻷﻧﻪ ﺍﻟﻤﻨﺘﺞ ﺍﻟﻤﺒﺎﺷﺮ ﻟﻠﻘﻤﻊ ﻭﺍﻟﻔﻘﺮ ﻭﺍﻟﻔﺴﺎﺩ ﻭﺍﻧﺘﻬﺎﻙ ﺣﻘﻮﻕ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﻭﻟﻌﻤﻮﻡ ﺍﻟﺪﻣﺎﺭ ﺍﻟﺤﺎﺻﻞ ﻓﻲ ﺍﻟﺒﻼﺩ,  و يعارضه لأنه يجهد في الحفاظ على الشروط الثقافية والمعرفية التي يدين لها بالفضل لوجوده وسيادته , فهو الذي يقوض البعد الجدلي لصيرورة وسيرورة الحركة صوب التقدم والتجاوز الحقيقي للشرط القروسطي في سورية , من خلال تعويقه للنقيض الذي يتخلق طبيعيا في مواجهة ما هو سائد في المجتمع , بالتالي ليس ثمة صراع حقيقي يجري بين سائد ونقيضه ولا جديد يذكر في خصائص وجود المجتمع السوري  وروحه , إن العمل على بعدي السياسة هذين  التأسيسي  والمباشر يحقق مناهضة الشرطين الثقافي المعرفي والسياسي في الوقت ذاته , ويلخص اهم رهانات حزب الحداثة والديمقراطية  .
س : دعني  أسألك عن موقعكم داخل سورية ؟ هل لديكم قاعدة شعبية ؟
وكيف تتواصلون معها وكيف ينشط أعضاء حزبكم داخليا في ظل التضييق الممارس على النشطاء السياسيين في سورية؟
ج : نحن ننشط في حزب معارض سوري غير تقليدي , اعتقد أن كل مهتم بالشأن السوري العام في سورية أو في الخارج بات يعرف عنه وعن مشروعه القدر غير اليسير , نحن لا نعمل في سورية وفق الفلسفة التنظيمية الكلاسيكية ذاتها التي نعمل بها في الخارج ,لقد أوقفنا هذا الأسلوب في العمل الذي كان سريا منذ سنوات ,وطورنا فلسفة تنظيمية جديدة ,تحدثنا عنها في مناسبات سابقة .
هذه الفلسفة تتيح للحزب أن يحرز حضورا مهما بين السوريين داخل سورية ,وهو حضور لا تظهر له آثار مباشرة على المدى القريب والمنظور , هو حضور يعتمد التراكم والتقاطع مع قطاعات بشرية على امتداد البلاد يدفع إليه ويشرف عليه الحزب .
إننا نعمل على خلق بيئة حاملة لأفكارنا دون الاهتمام بإظهار تعبيرات هذه البيئة ولا العمل على هيكلتها أو مأسستها .
دعيني أقول أننا ندفع باتجاه خلق كمونات اجتماعية حاملة لخطابنا السياسي بوسائل واعية ومدروسة يمكنها ان تحقق لا أقول للحزب بل لمشروعه القبول والانتشار أو الإمكانية على ذلك , ربما تتساءلين أن يكمن البعد التنظيمي في هكذا فلسفة أجيبك أنه طالما تراكم هذه الصيغة بصورة متدرجة تحولات وتبدلات معينة أيا يكن تواضعها في المجتمع والبيئة السورية بشكل متحكم به من قبلها ومضبوطة بواسطتها .
وطالما أن هذه المقاربة هي التي تؤسس بشكل فعلي لانتشار أفكار الحزب وخطابه ومشروعه السياسي , وهي التي تسيطر وتوجه وتضبط فعاليات وتعبيرات هذا القبول والانتشار وتنظم إيقاعاته وتحولاته , فهذا يعني أنها ذات بعد تنظيمي أكيد.
س : هل قمتم بنشاطات سياسية داخل سورية لتحسيس المواطنين بخطورة الوضع مثلا ؟
ج : سؤالك هذا استكمال ومتابعة لسؤالك السابق وحسنا فعلت إذ أرى أنه لابد من أن استكمل إجابتي السابقة أيضا بالقول أننا لم نكن لنلجأ لهذه الرؤية الجديدة للعمل التنظيمي داخل سورية لولا القمع والملاحقة والتصفية التي قد نتعرض لها على نحو صارخ وعار من قبل الأجهزة الأمنية القمعية المشرفة على ترسيخ نفوذ الاستبداد السياسي وحماية مصالحه وضرب معارضيه الأحرار والمناضلين ,  من خلال تقويض وإجهاض كل ما قد يفيد في تقليص نفوذ التسلط والاستبداد .
طبعا هذا يؤشر لاستحالة القيام بأي نشاط علني من جانبنا  داخل سورية, أما عن المواطنين وإحساسهم خطورة الوضع , فأرجح أنك تعرفين من خلال مراقبتك للشأن السوري ومتابعة ما يصدر عن المعارضة السورية أن السوريين لا يحسون فقط بخطورة الوضع بل يعيشونه , وقد يكون التعبير موفقا أكثر حينما نقول إن وضعهم المعاشي وخوفهم من الكلمة واستغراقهم في الصمت وانكفاءهم عن الحياة العامة وقلقهم من المستقبل الغامض وغير الآمن  لوضعهم الشخصي ولمصير البلاد بشكل عام هي المؤشرات على خطورة ما وصل اليه الحال في البلاد وعلى ضرورة الانتقال الى واقع جديد .
س : كما تعلمون أصدر القضاء السوري قبل فترة قصيرة أحكاما قاسية على معتقلي إعلان دمشق , كيف ترون هذه الأحكام ؟
ج : لا يشك أحد على الإطلاق  من ان الحكم بالسجن سنتين ونصف على مناضلي إعلان دمشق وتجريمهم بجناية إضعاف الشعور القومي ونقل أنباء كاذبة توهن عزيمة الأمة كما هو وارد في المادة 286 من قانون العقوبات  هو حكم سياسي جائر , أقول سياسي لأنه جاء لتنفيذ رغبة السلطة ولمبررات سياسية قمعية .ربما تعلمين أن القضاء السوري منذ عقود طويلة ليس قضاء مستقلا وطبيعي لذلك أن يكون غير عادل , اذ كيف يكون القضاء مستقلا وعادلا في الوقت الذي تشهد السلطة القضائية تغولا وتعديا من قبل السلطة التنفيذية , حيث ليس هناك ثمة فصل بين السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية لا في الدستور السوري ولا في الواقع العملي. فرئيس السلطة التنفيذية , رئيس الدولة هو نفسه رئيس مجلس القضاء الأعلى ينوب عنه وزير العدل وهو أيضا جزء جزءا من السلطة التنفيذية ناهيك أن المجلس هذا بل وجميع العاملين في السلك القضائي يجري انتقاءهم وفقا لمعايير سياسية وأمنية في جو من الفساد الذي تمدد على هذه الخلفية لينخر السلك القضائي برمته , كل هذا يعني أن القضاء بخلاف الفساد يعاني من تبعية مطلقة للسلطة السياسية المستبدة وهي الجهة الحقيقية التي تصدر الأحكام في حالة المعتقلين السياسيين.
هناك جانب آخر يوضح عدم عدالة هذه المحكمة وما يشبهها , وهو الجانب الذي يوضح الكيفية التي يجري تأويل  إن لم نقل الإيعاز  للقضاء بتأويل مواد قانون العقوبات ذات الصلة بقضايا الاعتقال السياسي عموما  , ألا تتفقين معي أن ذلك يجري بوضوح فاضح وفقا لتحديد السلطة , إن لم يكن استبدادها , فوفقا لموقفها السياسي هي فقط ,إن القياس على تلك القوانين إنما يجري في تلك المهازل / المحاكم  من الزاوية التي تحددها السلطة لإرادة  الأمة وهيبتها .
وليس خافيا أبدا أنه لا يمكن لمعايير تستند إليها فئة ذات توجه  ورأي سياسي ظفرت بالسلطة في انقلاب عسكري أن تحدد إرادة الأمة وما الذي يضعف عزيمتها وهي الطرف الذي انتهك إرادتها أصلا حين احتل موقع السلطة عنوة , هل كل من يحوز السلطة غلبة كما هو حال السلطة الحالية يضع تصوره للأمة وإرادتها ويحاكم من يخالفه الرأي في كونه يهدد أهداف الأمة ويوهن عزيمتها , إنها الديكتاتورية بعينها وهذا هو الاستبداد والقمع في ذاته , وليس مثل هذا حين يتم بإشراف القضاء وباسمه من القضاء العادل في شيء .


س: هل مثل هذه الحكم سيجعل المعارضة الداخلية تتراجع في مطالبها التغييرية ؟
ج : بكل جزم وتأكيد لا , إذا كان الرئيس الراحل حافظ الأسد بالرغم من كل القتل والتصفيات والمجازر والاعتقالات السياسية التي أنزلها بالمجتمع , ورغم أنه روع الناس  وأغرق البلاد في جو من الهلع  والصمت لم ينجح في تحقيق ذلك , فهل تنجح هذه الأحكام على جورها  والعديد غيرها في تغيير موقف المعارضة ومطالبها العادلة , بالتأكيد لا , هذه المعارضة تنافح الاستبداد وتتصدى له متسلحة بحلم السوريين وتطلعهم إلى حياة أفضل .
س : ثمة من قال إنه كان في يد النظام فرصة للمصالحة مع المعارضة لكن ضيعتها , هل هذا صحيح ؟ وكيف؟
ج : النظام لم يدعو  يوما للمصالحة  مع المعارضة وأرجح انه لم يفكر في إجرائها أبدا , النظام  لا يعتبر ولم يعتبر يوما أن المصالحة مع المعارضة فرصة , المعارضة كانت دائما مستعدة للمصالحة وتدعو لها ,لكنه هو الذي يرفض مجرد الاستماع لها .
الفرصة التي فوتها النظام في عدم مصالحته المعارضة والسماع لها ولمطالبها , إنما فوتها على البلاد , منعها من أن تتعافى لمصلحة الإنسان فيها ولمصلحة الدولة , فلو قدر له أن يتعاطى مع المعارضة بكافة طيفها وألوانها ومكوناتها السياسية وتبني مطالبها في إلغاء حالة الطوارئ والأحكام العرفية وطي ملف الاعتقال السياسي والاعتراف بالآخر القومي وإزالة التمييز الحاصل بحقه والعمل على احترام حقوق الإنسان والتأسيس لثقافة هذه الحقوق وترسيخها في الوعي والقيم الجمعية ,والتحول التدريجي صوب الديمقراطية وتداول السلطة السلمي . لو حصل كل ذلك لنجحت البلاد في تجاوز واقع الفساد وهدر الأموال العامة ربما كأول أثر مباشر ,ولشرعت في فتح نقاش عام حول مختلف القضايا  والمشاكل التي تعاني منها , ولتمكنت من إطلاق العنان لحراك مدروس وممنهج وذو زخم يعبر بها إلى جو طبيعي تتفاعل فيه الأفكار والأصوات وتتصارع سلميا بإدارة الدولة ليكون المستقبل الذي ننشده حتما أفضل من الحاضر الذي نعيش ومن الماضي كل تأكيد ,
س : هل يمكن الحديث فعلا عن إمكانية إقامة مصالحة بين المعارضة والنظام السوري؟
ج : لا أشك أبدا في أن المصالحة ممكنه , طبعا المصالحة على أساس الاستجابة لمتطلبات احترام إرادة المجتمع , وإلغاء كافة أشكال  الاستبداد والاعتراف بالآخر  السياسي وبطبيعة المكون التعددي لسورية , لكن وأظنك توافقينني أن الكرة فيما يخص ذلك لا تزال في ملعب النظام , فليس للمعارضة ماتتنازل عنه , هي أصلا لا تملك إلا مطالبها آنفة الذكر , لم تتخل  ولن تتخلى عنها , النظام هو الذي يعتدي على الحقوق والحريات العامة ويمنع البلاد من التطور وتجاوز واقعها القروسطي والاستبداد والفساد الذين يمعنا في إعاقتها .
ما تطلبه المعارضة متلخص في الكف عن ذلك وفي العمل من أجل مصلحة الوطن والإنسان وليس من اجل مصلحة السلطة وشبكات المصالح المرتبطة بها , وهي مصالح على الأغلب ليست مشروعة لانها مبنية أساسا على التمييز بالنظر الى الموقف من السلطة اولا ودائما , لكني لا أخفيك أستبعد إلى حد بعيد إصغاء السلطة المستبدة الى متطلبات الصالحة وتلبيتها .
س : دعني أسألك سؤالا صريحا : كيف تقيمون الوضع في سورية على كل المستويات ؟
ج : لا يخفى  على أحد أن الوضع السوري من كافة جوانبه منهار إلى حد الكارثة , لقد توفر لهذا النظام الوقت  والفرصة لكي ينهض بالمجتمع السوري إلا أنه تركه مفوتا ودعم الشروط التي تبقيه مجتمعا قروسطيا غير مدني الوعي منقسم  حول رؤية حدية للنجاة والحقيقة , مجتمع قبائل تغيب فيه قيمة الإنسان وحريته لمصلحة قيم القبيلة , مجتمع ذكور , تنحط فيه الأنوثة ويجري تغييبها وقمعها , مجتمعا شموليا يبتلع الفرد ولا يعترف له بحق ان تكون له فرديته ورؤاه يعبر عنها بحرية ويتفاعل مع قيم الجماعة فينهضان معا .
لقد حافظت هذه السلطة على الغالبية الساحقة من المجتمع السوري مجتمعا ماضويا لا يتخذ من العقلانية الحديثة منهجا محددا لموقفه من ذاته ومن العالم , لقد تركت السلطة البلاد وإنسانها يعيش  الأزمات حيثما يلتفت  , الأزمات في كل مكان , والمعاناة عامة الى حد بعيد . غالبية السوريين يعانون في لقمة عيشهم في مسكنهم في صحتهم , يعانون أزمة مياه وتلوث وفوضى عمرانية , يخافون من غدهم , مروعون ومقموعون يخشون من الكلمة  , لقد انكفؤوا إلى وجودهم البيولوجي الى درجة كبيرة ,لم تفعل هذه السلطة ما يستحق الذكر لكي تؤسس لعلاقة ثقة بين المواطن ودولته بل لعلها ومن خلال العقائد السياسية التي روجت لها تلك السلطة وللسياسة العامة التي تبنتها أسست للخلل  أو قوت من ركائزه ، الخلل الذي ينتاب السوريين في تحديد هويتهم وفي إيمانهم بوطنهم بالمعنى السياسي والمباشر للكلمة . الكثير من السوريين لايؤمن بسورية وطنا شرعيا ينغرس في وجدانهم , لقد تأكدت في وعيهم بوصفها صنيعة للتجزئة وسايكس بيكو  فقط , في حين أن الغالبية منهم , يعيش أشكالا  من التضامنات التقليدية والعلاقات السابقة على الدولة الحديثة , فيحتمي بسقف قبيلته أو طائفته ويثق بما رسخه كليهما في وعيه وخياله ووجدانه . أيضا فشلت السلطة المستبدة في إنهاء الاحتلال الإسرائيلي لجزء عزيز من سورية طوال أربعة عقود ولا نتيجة تذكر على هذا الصعيد , رغم أنها أعلنت ان استرداد الجولان السوري المحتل وإنهاء الصراع مع إسرائيل  لمصلحة سورية والمنطقة العربية هو الهدف الأسمى  والاستراتيجي الذي عطلت لأجله الحريات وأعلنت على خلفيته حالة الطوارئ لتصبح أطول حالة طوارئ تعيشها دولة في التاريخ . لقد أمست المعاناة جزءا من هويتنا , فلأنك سوري إذن أنت في أزمة , الوضع كارثي دون أدنى تضخيم أو مبالغة.
س : هنالك من يرى أن انحياز سورية لإيران وحزب الله ورطها في رهانات خاسرة , كيف ترون هذه الإشكالية ؟
ج : دعينا نفرق بداية بين سورية ونظام حكمها , أرى خلطا محكما بين سورية الدولة والوطن وبين نظام حكمها ، ليس في سؤالك وحسب بل لدى كل من يود الحديث عن سورية وعلاقتها بالشأن الإقليمي والدولي.
لقد جهد النظام السوري  عبر استمراره في السلطة كل هذه السنين متجاهلا إرادة المجتمع وخياراته ومن خلال تحكمه بصناعة القرار السياسي وابتلاعه للدولة ومؤسساتها وإعادة بناءها وفقا لقده السياسي والمصالحي , جهد  في أن يحدث عند السوريين وربما لدى العالم حالة من الخلط بين سورية الدولة والمجتمع وبين نظامها وقوى السلطة فيها , لعله نجح في ذلك , لكنني سأميز هنا وسأتجاوز هذا الخلط وأقول بالعودة الى سؤالك إن من انحاز لإيران ولحزب  الله ليس سورية بل نظامها السياسي الذي لا يمثل مواطنيها ديمقراطيا , وأن الرهانات المرتبطة بهذا الانحياز هي رهاناته هو وهي عمقيا تتوخى مصلحته وليس مصلحة سورية الدولة ومجتمعها أبدا. طبعا هذا لا يعني أنه ورط نفسه في رهانات خاسرة خصوصا بعد الانفتاح النسبي الدولي عليه , ولا يعني أيضا ان السوريين جميعا أو غالبتهم لم يشاركوه الموقف نفسه من إيران وحزب الله , في ظل الخوف وانتهاك الحريات والحقوق الأساسية وغياب الإعلام المستقل وفي غياب صناديق الاقتراع التي تفرز من يمثل السوريين ديمقراطيا يصعب تحديد موقف سورية المجتمع موقف سورية المجتمع من أي موضوع أو موقف.
س : كيف ترون الاتهامات اللبنانية المستمرة لسورية بأنها تتدخل في الشؤون اللبنانية عسكريا وسياسيا؟
ج: أميل الى القول بتعقيد الوضع اللبناني الى درجة لا تسمح لإجابتي بأن تأخذ طابعا حديا بهذا الصدد , فلبنان يعاني هو الآخر من مشاكل وأزمات بنيوية مزمنة لم يستطع فضاء الحريات الواسع الذي يعيشه من معالجتها , وهي أزمات ذاتية إلى حد بعيد .
طبعا الهزال البنيوي الذاتي اللبناني الدولة يجعله ضعيفا إزاء محاولة الموضوع الإقليمي وحتى الدولي التدخل في شؤونه , أجد صعوبة كبيرة في مقاربة حالة الدولة اللبنانية وموضوعة التدخل في شؤونها في ظل هذا التشظي الطائفي المعبر عنه سياسيا بدرجة مذهلة , انظري إلى الغالبية النيابية التي تؤكد على تدخل سافر للنظام السوري في شؤون لبنان والذي تظهر الكثير من آثاره للمراقبين , وانظري أيضا إلى المعارضة لهذه الغالبية وهي تسعى لهذا التدخل وتعمل لأجله بل تحيله إلى توصيف مختلف من قبيل التنسيق مع النظام السوري والوقوف معه في الموقع ذاته من القضايا المصيرية .ما أستطيع تأكيده بحذر أقل أن لبنان يعيش أزمة حداثة , أزمة غيابها , وهو الغياب المسئول عن تطييف ( من طائفة ) ديمقراطية لبنان , وعن استحالة الوصول الى حالة لبنان الدولة الديمقراطية المستقلة في قراراتها وخياراتها إزاء الخارج  وعلى رأس هذا الخارج النظام السوري في ظل استمرار هذا الغياب للحداثة عالما وعقلا وقيما وعلاقات وصيغ انتماء وتضامن .
س :لعلي قصدت التحالفات السورية مع المعارضة الموالية لحزب الله وإيران بمن فيها ميشيل عون وبعض المسيحيين , كيف تفهمون هذا التحالف المتشعب ضمن خيارات القوة العلوية / الشيعية / المسيحية / في دولة مثل لبنان ؟
ج : اسمحي لي أن أركز على الحالة اللبنانية قليلا وأن أعود الى الإطار العام التحليلي الذي اعتمدته سابقا في النظر إلى المشكلة اللبنانية فهذا الإطار صالح من وجهة نظري للاقتراب من الحالة اللبنانية بتحالف قواها وتعقيدات رهاناتها وخياراتها لكني سأكون أقل حذا في وأكثر حدية مما يجب منهجيا أقصد , غاية في الوضوح وتعرية لما تحجبه الخطابات السياسية لمختلف الفرقاء اللبنانيين وتبدده سجالاتهم المتبادلة .
في لبنان الطوائف , والسياسية المطيفة ( أيضا من طائفة ) , ليس ثمة ولاء أول ووحيد للدولة الا بين بعض النخب العلمانية وهي أقلية معزولة ومهمشة نسبيا في المشهد السياسي اللبناني الولاء الفعلي للطائفة ولزعاماتها المتوارثة القديمة والناشئة ولان العديد من طوائف لبنان الكبرى هي طوائف إسلامية في تشترك مع مثيلاتها المنتشرة في دول العالم الإسلامي في الكثير من التصورات الأساسية التي تبني عليها المواقف المختلفة  طبعا تتأثر كل طائفة بواقعها المحلي وبالجغرافيا السياسية وبطبيعة الأنظمة الحاكمة للدول التي تعيش فيها  بالنسبة لحزب الله الذي يشكل الشيعة وهم احد اكبر الطوائف اللبنانية متن أنصاره ومريديه كان قد نشا من وجهة نظري استجابة لحاجات مركبة منها ما هو عقائدي ومنها ما هو محلي مرتبط بوضع الطائفة الشيعية في لبنان الاقتصادي والاجتماعي  الذي غلب عليه الفقر والتهميش أضيف إليه التأثر المأساوي بالصراع العربي الإسرائيلي الذي فرضه انتشارها الجغرافي على الحدود اللبنانية مع إسرائيل . من خلال هذا الواقع المعقد وعبر الصورة اللبنانية العامة الأنفة الذكر يمكننا ان نفه رعاية إيران له ونحيلها الى التقاطع العقائدي الكائن سلفا والسياسي تاليا بين إيران الثورة الإسلامية ولبنان الطائفة الشيعية وحزب الله  كما يكننا أن نحلل نجاح حزب الله بين الطائفة الشيعية استنادا الى قدرته على استخدام مفاعيل التجييش الدينية والعقائدية ومن بوابة البناء على وضع الطائفة الشيعية كما وصفته سابقا ,  لذلك ترينه يقوم بوظائف الدولة ويقم الخدمات المفترضة بالدولة  تقديمها لطائفته وأنصاره طبعا
بالنسبة ل ميشيل عون وتياره الذي يمثل الأغلبية الآن لدى الطائفة المارونية الأمر مختلف إلى حد ما اقصد موضوع موقعه على الخارطة السياسية او على الأقل مبررات ميله الأخير وتفاهمه مع حزب الله ثم توجهه الذي يزداد تصميما يوم بعد يوم صوب العلاقة مع إيران والنظام السوري رأيي أن قوى 14 آذار هي التي دفعت عون الى هذا الخط السياسي  ففي إطار الصراع على الزعامة والتوجس من حجم الدور والمكانة التي يتطلع إليها الجنرال عون لدى عودته إلى لبنان من منفى قسري 15  عاما استقبلت قوى 14 آذار العماد عون بشكل متوتر وصل في تصريحات بعض رموزها حد العداء وتطورت مناكفات و مشادات وسجالات تحولت الى صراع انتخابي محموم بين الطرفين في الانتخابات النيابية اللبنانية . لكن عون الذي استثمر ثقله الرمزي والسياسي بين المسيحيين المتحصل أساسا من عدائه لوجود الجيش السوري ( الذي سيطر عليه النظام) في لبنان إبان الحرب الأهلية اللبنانية خير استثمار
تمكن من الحصول على اغلب المقاعد المخصصة لطائفته في المجلس النيابي اللبناني . على أية  حال أرجح حذرا  من تحليل تراث قوى 14 آذار السياسي وتراث معظم القوى اللبنانية السياسية وعلاقاتها بالمسألة الطائفية والنظام السياسي في لبنان ومن بعض المؤشرات اللاحقة في سلوك معظم القوى والأطراف السياسية اللبنانية الفاعلة في المرحلة الحالية أن غالبية النخب السياسية الرافعة لشعار مشروع الدولة في لبنان في 14 اذار وفي المعارضة  لا تضعه في مقدمة أولوياتها السياسية هذا ان لم يتفوق مشروع زعاماتها ومصالحها على أي اعتبار آخر كيف لا وسياسة هذه النخب الطائفية ومواقفها وشبكة ولاءاتها وأنصارها وعدم تصديها لما تقتضيه.ضرورة الانتقال الى نظام سياسي ديمقراطي يؤسس للبنان جديد , تؤشر جميعا على انها هي الطرف الذي يقوم على حراسة النظام السياسي الطائفي وتكريسه والامتناع عن تجاوزه  وهي التي  توظف مواقعها السياسية ونفوذها في إعادة بناء ولاءات اللبنانيين حولها وحول هذا النظام .
لقد أردت من هذا العرض السريع تفكيك بعض أجزاء الصورة المعقدة للحالة اللبنانية وتحليلها بعيدا عن التوظيف السياسي فالحديث عن الوضع اللبناني بشكل واف وغي متسرع يتطلب ربما مناسبات حوارية خاصة به ومساحات شاسعة كما يحتاج تشعبا وحذرا شديدين.
بالعودة إلى سؤالك أخيرا أقول على نحو عام أن التحالفات في المنطقة أخذت تتشكل أو يعاد تشكيلها بعد الحرب على العراق وإسقاط نظام الديكتاتور صدام حسين وظهور ملامح مرحلة جديدة حملت لمنطقة الشرق الأوسط الكثير من الرهانات المتضاربة  ثم ما لبثت جريمة اغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري حتى أضافت تعقيداتها وآثارها التي أدت إلى فرز سياسي جديد في لبنان وج له مكانا بسرعة على خارطة تلك التحالفات
لقد كانت العوامل السابقة وموقف النظام السوري من كل منها او علاقته بها المحددات الأهم لموقعه في تلك الخارطة بالنسبة لمختلف القوى السياسية اللبنانية وإيران ودول أخرى فاعلة في الشرق الأوسط كالسعودية ومصر
س :يبدو النظام السوري معزولا على الصعيدين الدولي والإقليمي , كيف تفسرون استمرار رفضه للإصلاح بنفس إصراره على القول انه على حق ؟
ج :بمعزل عن العزلة التي لايزال النظام يعاني بعضا من آثارها ,المستبد يرى نفسه دوما على حق, المستبد لايؤمن بالآخر أصلا عادة ما تتحكم بالمستبد منظومة عقائد مغلقة يستخدمها أساسا لتفسير الأحداث والواقع والعالم  بشكل عام , لكن جهة استخدامه لهذه المنظومة المغلقة تظل محكومة بمصالحه لكي توصل إلى تحقيقها في نهاية الأمر, قد يجري هذا دون آلية واعية لديه لكن النتيجة الحتمية لهذا الاستخدام هي دائما واحدة , انغلاق وإصرار على الإقصاء ورفض الآخر والوصول إلى قمعه وضربه بكافة الوسائل والأساليب ,هذا ما يحدث في سورية بشكل مستمر منذ عقود وصولا إلى هذه اللحظة .
س : هناك ما يبدو انهيارا للوضع على الصعيدين الاجتماعي والاقتصادي في سورية إلا انه لم ينتفض الناس للمطالبة بتحسين الظروف؟هل خوف المواطنين من النظام صار اقوي من حلم التعيير في البلاد الآن؟
ج: اتفق معك على أن هناك انهيارا حاصلا في أوضاع البلاد على كافة  الصعد وأزيد بان السوريين يحسون بالضيق والظلم والقهر لكنهم يحسون بالخوف أيضا ,  الخوف من الاعتقال والحرب الوسخة التي يشنها النظام على من يعارضه وهي الحرب التي لاتحترم أية قواعد ولا تقف عند أية حدود .
النظام يراهن على استمرار منعه أحاسيس القهر و الظلم والفقر  والتمييز من أن تتحول إلى فعل معارض رافضا للنظام أو ضاغطا عليه كي يعدل من سياسته , لقد نجح طوال العقود التي تلت أحداث 1979_1982
في رهانه هذا , بالتأكيد في هذا السياق تأتي حربه على التنظيمات السياسية والمدنية التي لا تدور في فلكه ومنعا من العمل بين الناس وفي هذا السياق ايضا يأتي حفاظه على المواقع التقليدية في الثقافة الدينية والطائفية السادة ودعمه لها , وتحريمه فتح النقاش حول المسألة الطائفية ورفضه وضع سياسيات لتجاوزها , ففضلا عن كونه المسئول الأول  عن الاستبداد السياسي في بلادنا فان ثقافة السماء تخدر الإنسان وتحيله إلى العالم الآخر ليحقق فيها العدالة والمساواة والكفاية ,او هي تدخله في نزاعات وتناقضات جذريه ووجودية على خلفية الاختلاف على المعنى الديني ,ليحسن المستبد بعد ذلك توظيفها واستغلالها لمصلحته .
س: لعلي قصدت الخوف من الأعداء الافتراضيين الذين تصنعهم السلطة عادة أكثر من خوفهم من السلطة. ما رأيكم؟
ج: لعلك تقصدين الخوف الذي  تغذية السلطة لدى بعض المكونات السورية من احتمال التغيير الديمقراطي الذي يطيح بها , مرد هذا الخوف وأزمة الثقة الحاصلة بين الأغلبية المذهبية من جهة التي تمثلها السنة على وجه التحديد وبين الأقلية العلوية التي تنتمي إليها مراكز القوى الأساسية في النظام وبقية الأقليات الدينية بنسبة اقل من جهة ثانية , عائد أساسا إلى التناقض الديني الذي يصبح جذريا في بعض الحالات أحيانا , وما خلفه هذا التناقض من خبرات تاريخية عنفيه ودموية أو ممارسات استعبادية واستعلائية مثلت الأقليات الدينية طرف الضحية فيها.
وكان ذلك يحدث في سياق استغلال السلطة على مر التاريخ للمعنى الديني والاختباء خلفه واستخدامه في كل مرة لأغراض هيمنتها , أيا تكن السلطة وايا يكن هذا المعنى الديني .
لقد تركت هذه الخبرات آثارا وجروحا غائرة في ذاكرة ووجدان أصحابها ,كذلك فعلت أحداث 1997 – 1982  التي تركت هي الأخرى جروحا مماثلة لدى الأغلبية المذهبية التي تمثلها السنة .صحيح ان مرحلة الأحداث لم تكن مرحلة قمع فيها العلويين السنة كما يطيب للبعض الوصف , لكنها هكذا  ترسخت لدى قطاعات كبيرة من السنة ومن العلويين أيضا .أعود للخوف الحاصل والعداء الكامن بين المكونات السورية الأنفة الذكر لأقول ان النظام يستخدمه ليقوي استنادا ته الاجتماعية وعوامل استمراره , وهو ينجح في ذلك بالقدر  الذي تبقى فيه الثقافة الدينية لدى مختلف الطوائف تقليدية ومغلقة واقصائية ,حينها سيضمن استمرار خوف العلويين بشكل رئيسي من تغير ديمقراطي أو غير ديمقراطي يعيد السنة إلى مراكز القوة وصنع القرار وبالتالي سيضمن ولاءهم له ووقوفهم في مواجهة أي سيناريو من هذا القبيل , وهم الذين يشكلون عصب القوى الأمنية وفرق الجيش السوري الأكثر فاعلية وقوة.
أرجح  أن هذه الخلفية يمكنها أن تفسر حرص النظام السوري على دعم المنابر التقليدية في الإسلام بوجهه السني في سورية ,
وترك العنان لردة ماضوية  عامة تزيد من تقليدية السنة وتزيد من العلوي التقليدي تمسكا بمواقعه ومواقفه السياسية , طبعا يحرص النظام على ان تبقى هذه الردة دون تعبيرات سياسية الا بالقدر الذي تتطلبه حاجته ولا تخرج عن سيطرته , اقصد بذلك بعض الجماعات التي يشك على نطاق واسع انه يستخدمها لتذكير العالم بان سورية تشارك العالم في تعرضه لخطر الإرهاب او تلك التي تعبر إلى لبنان  والى العراق لأداء مهام خارج سورية فيصب جهدها وعنفها في مصلحته .
س: هل تعتقدون أن وصول اوباما إلى الحكم في أمريكا سوف يساعد الأنظمة الشمولية على البقاء في الوطن العربي؟
ج : أظن ان الكثيرين ينظرون إلى إدارة بوش وكأنها نجحت في القضاء على بعض الأنظمة الشمولية خصوصا نظام صدام حسين ونظام طالبان .
وجهة نظري أن ذلك صحيح جزئيا , هذا يعني أن هناك جانب مظلم وخاطئ رافق هذه العملية ,وللأسف قلل من مردودية هذا النجاح إلى درجة كبيرة ,  لقد نجحت هذه الإدارة في القضاء على أنظمة شمولية اختصرت دولها في ذاتها وبنت الدولة وفقا لحاجاتها وهياكلها هي ,اقصد الأنظمة بالطبع لذلك انهدمت الدولة بانهدام تلك الأنظمة ودفع العراقيون  ثمنا باهظا جدا قد يفوق من وجهة نظر البعض ضحايا وجرائم نظامي صدام حسين أو طالبان لقد أثرت هذه النتائج الكارثية على مجتمعات الأنظمة الشمولية المتبقية في المنطقة ومنها سورية وجعلتها ترفض بشدة تكرار السيناريو الأفغاني او العراقي في بلدها, ليس هذا فقط بل لقد أخفقت الولايات المتحدة في مرحلة بوش في الإثبات بأنها متقدمة في مجالات حقوق الإنسان كثيرا على الأنظمة الشمولية التي تنتقدها فـأحداث سجن ابو غريب ومعتقل غوانتنامو والمعتقلات السرية المنتشرة في أرجاء العالم قللت من الفارق الكبير الذي يتوقعه الناس بين أنظمتها وبين الديمقراطيات الغربية ، كل ذلك غير من طريقة نظر الناس والسوريين تحديدا ونحن منهم إلى الإدارة الحالية والقادمة , إدارة اوباما , نحن نتمنى مثلا ان ان يطلق اوباما مبادرة جديدة ونهجا جديدا يقارب فيه موضوع الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان في المنطقة من زاوية ليس فيها مخاطرة بحياة الإنسان , دون اللجوء الى العنف والحرب.
س:لكن الرئيس الأمريكي الجديد قال انه سيركز على المشاكل الداخلية عكس سابقه الذي ركز على الخارج ,ألا يعني التركيز على المشاكل الداخلية منح الفرصة للأنظمة الحاكمة لمزيد من الشمولية الاستبدادية مثلا ؟

ج: تعرفين أن  الرئيس الأمريكي الجديد سيدخل إلى البيت الأبيض في السنة القادمة في ظروف غير عادية ,لا شك ان الأزمة المالية و الدولية التي بدأت في الولايات المتحدة وسبل مواجهتها بالإضافة الى متطلبات النهوض الاقتصادي بالاقتصاد الأمريكي المتعثر تشكل في مجملها أهم المسائل التي تشغل بال الإدارة الأمريكية القادمة  , لكني اتفق معك أن الحزب الجمهوري معروف بميله إلى الاهتمام بالسياسة الخارجية أكثر من الحزب الديمقراطي المعروف بتركيزه على القضايا التي تشغل المواطن الأمريكي داخل الولايات المتحدة الا ان ذلك يتم بشكل نسبي جدا ويتغير وفقا للظروف الدولية والمحلية الأمريكية.
أما إذا كان التركيز على المشاكل الداخلية سيمنح الفرصة للأنظمة الحاكمة كي تمارس مزيدا من ا استبدادها وشموليتها , أقول إن سياسة بوش لم تحسن في أداء الأنظمة الشمولية المتبقية في الشرق الأوسط إزاء مجتمعاتها  ,لم تفلح في مصر وليبيا مثلا ناهيك عن سورية التي زاد نظامها شراسة على معارضيه ومواطنيه , ولم يكن واضحا أيضا أنها ذاهبة  في تكرار السيناريو العراقي في سورية بعد تعثرها في العراق وبعد الفاتورة البشرية الباهظة التي دفعها العراقيون والأفغان والفاتورة المالية الأسطورية التي دفعتها  الإدارة الأمريكية  . 
طبعا لا أريد أن يفهم من السياق السابق أننا كنا مع السياسة التي انتهجتها إدارة الرئيس  بوش  بإسقاط الأنظمة الشمولية من خلال الحرب الشاملة كما في حالة العراق وافغانستان ,بالعكس تماما كنا دوما ضد الأعمال العسكرية والعنفية التي استهدفت الأنظمة الشمولية رغم كارثيتها وقمعها ودمويتها, وأعلنا رفضنا للحرب على العراق قبل وقوعها رغم تطلعنا وشغفنا بإمكانية إسقاط نظام صدام حسين ,  ببساطة كنا نتخوف من تبعاتها على المجتمع والإنسان الذي نعتبره دليل أي سياسة وثابتها المقدس وكان قلقنا في محله.



أخيرا اكرر شكري وتقديري لك وأتمنى ان أكون قد نجحت في إلقاء بعض الضوء على تجربتنا ورؤيتنا للقضايا التي أثارتها أسئلتك واعتذر عن التكثيف الشديد الذي تخلل مساهمتي في بعض المواقع فذلك ما تتطلبه مناسبة الحوار ومساحته من وجهة نظري .

 

ملف الاعتقال السياسي

اليوم في صور

In order to view this page you need Flash Player 9+ support!

Get Adobe Flash player